حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
291
شاهنامه ( الشاهنامه )
رسالة الملك كيخسرو إلى بغبور ملك الصين وإلى ملك مكران ثم أرسل رسلا إلى الخاقان وبغبور وصاحب مُكران وغيرهم من ملوك تلك الأطراف ، وأمرهم أن يبذلوا له الطاعة ويتلقوا مواكبه إذا قدم إلى بلادهم ، ويهيئوا لعساكره الأنزال في المنازل ، فقابلوا أمثلته بالامتثال ، وتلقوا رسله بالإعظام والإجلال ، وأظهروا السرور والابتهاج بملكه وسلطانه سوى صاحب مكران . فإنه استخف بالرسول وقال له : قل لصاحبك إن كنت تريد أن يفتح لك الطريق فمبذول لك ذلك . وإن كان في نفسك قصد دار ملكنا ومقرّ عزنا فليس بيننا وبينك غير السيف . فلما رجع الرسول وأخبر الملك بذلك ساق العساكر وسار إلى ختن . فاستقبله الخاقان وبغبور في جميع أكابر الصين وقد ملأوا المنازل بالأنزال والتحف ، فلما استأنس بغبور استضاف الملك فأجابه ودخل إلى قصره فنثر عليه ثلاثين ألف دينار صينى . وأقام الملك ثلاثة أشهر هناك وبغبور وأكابر قائمون بشرائط خدمته . ولم يكن يخلو يوم من أن يخدمه بهدية مستجدة وتحفة مستطرفة . فلما استهل الشهر الرابع ترك رستم هناك الحرب بين الملك كيخسرو وملك مكران ومقتل ملك مكران على يدي كيخسرو وساق العساكر قاصدا قصد مكران . فلما قرب منها نفذ إليها رسولا بالإعذار ، والإنذار ، فلم يجب صاحبها إلى الطاعة . فقصده وسار إليها فوجد جميع ممالك التيز ومكران مملوءة من العساكر ، فقاتلهم وقتل صاحب مكران مع ألفي فارس ، وأسر منه ألفا ومائة وأربعين أميرا . وانهزم الباقون ، وتركوا من المغانم والخيل والأسلحة والفيلة ما يفوت العدّ والحصر . فأتى الملك البلد ، وبسط في أهله يد القتل والنهب ، وأحرقوا الدور والقصور ، وخربوا الصحون والسور ، وسبوا الإناث وقتلوا الذكور . ثم اجتمعت عُبّاد تلك المدينة ومشايخها ، واستغاثوا إلى الملك وقالوا : نحن قوم ضعفاء لا جرم لنا ، ولم نزل مظلومين . فإن تعطف الملك علينا فإنما يرحم قوما مساكين . فآمنهم الملك وكف عنهم القتل والأسر . وأقام سنة ، واستحضر الصناع ، واستعمل سفنا وزواريق كثيرة وأشار على أشكس بأن يقيم في ذلك الإقليم ، ويستقل فيه بالتدبير . اجتياز الملك كيخسرو بجيشه بحر زره وساق الجحافل وسار إلى أن وصل ساحل البحر ، فأمر بحمل طعام سنة كاملة . واعتزل هو إلى موضع وسجده للّه تعالى وتضرع اليه وقال : أنت مالك الثريا والثرى ، والحافظ برا وبحرا . احفظنى وعساكرى وتاجى وتختى . وكان هذا البحر إذا سارت فيه السفينة ستة أشهر ردّتها الرياح المختلفة وألقتها إلى موضع يسميه الملاحون فم الأسد ، فيتعذر خلاصها منه . فجرت سفنه ومراكبه بسعادته على هدوّ وسكون من الماء والهواء . وشاهدوا في البحر عجائب كثيرة كالأسود والثيران وإنس الماء بالشعور المتهدلة كالحِبال متسربلين بالأصواف والأشغار لبعضهم رؤوس كرؤوس الجواميس ويدان من خلف ورجلان من قدّام . وآخرون رؤوسهم كرؤوس